|
برج
بابل وعليّة أورشليم
"فتحيّروا لأن كلَّ
واحدٍ كان يسمعهم ينطقون بلغته"
تساعدنا المقارنة بين
حدث تبلبل الألسنة عند برج بابل (تك11، 1-9) وبين اتحادها في عليّة أورشليم، على
فهم جانب هام جداً من معاني عيد العنصرة في التدبير الإلهي. وهذه المقارنة تعكس
الخلاف الواضح بين صورة الحياة الوثنية والحياة المسيحية والكتابية.
يوضّح لنا حدثُ برج
بابل أن الصلفَ والكبرياءَ البشري هو سبب عدم تفاهم الناس فيما بينهم – أي تبلبل
الألسنة. ويشير حدثُ حلول الروح القدس في العلية إلى اللغة التي تجمع الناس بحيث،
رغم الفوارق، يبدؤون يفهمون بعضهم بعضاً. وإن هذه الحقيقة، في مجتمعاتنا اليوم،
تبدو غريبة وتثير العجب، كما تعجب هؤلاء اليهود الأتقياء القادمين من كل أمةٍ تحت
السماء وسمعوا الرسل ينطقون بلغة كل واحدٍ منهم. يشرح "قنداق" العيد هذا العمق
الروحي للحدث: "لما انحدر العليّ (الروح القدس) مبلبلاً للألسنة كان للأمم مقسّماً
(في حدث برج بابل)، وحين وزّع الألسن الناريّة (في العنصرة) دعا الكلَّ إلى اتحاد
واحد. لذلك نمجّد بصوت متّفقٍ الروح الكليّ قدسه".
"تمزُّق البشر
واتحادُهم" مسألةٌ تشغل بال كل إنسان وكل دين وكل علم اجتماع! يبدو أن مجتمعاتنا
البشرية هشّةٌ جداً، حتى في خلاياها الصغيرة تلك كالعائلة وسواها. حيث نلاحظ أن
التفرّق أسهل وأسرع من التجمّع! إن التيارات الاجتماعية في صراع بين هذين القطبين،
والمحاولة عسيرة وشاقة لجمع شمل البشر تحت أي شكل من الأشكال التي يمكنها أن تزيد
الروابط بين الناس. فالميل إلى الفرقة موجود وقوة التحام الإنسان بأخيه الإنسان
تزداد هشاشة، وتتعاظم روح الأنانية على حساب احترام الروابط الاجتماعية. وما أشبه
حضارتنا اليوم بمجتمع برج بابل آنذاك.
نظرة سريعة إلى
المجتمعات الإنسانية المتعدّدة تثير القلق. كيف أن بعض القيم الأساسية في مجتمع ما
تتعارض مع مثيلتها في مجتمع آخر. تختلف المدنيّات المعاصرة أحياناً في أمور جذرية.
وقد يكون سبب ذلك الأديان أو اللغات أو الأنظمة، وسواها. عديدة هي الإيديولوجيات
بتعدّد المصالح الفردية، على المستوى الفردي والمستويات الاجتماعية أو الإقليمية.
لم تعد لغات الناس اليوم تتكلم عن الحقيقة، وإلاّ لكانت معانيها واحدة. ولكنها
تتكلّم على غايات خاصة لمصالح فرديّة. لذلك كلٌّ يتكلم بلغته، وصارت اللغة جدلاً
وبراهينَ لتحقيق المصلحة وليس للتعبير عن الحق؛ هذا في مجال السياسة بين الدول، وفي
مجال الحياة الاجتماعية في الدول ذاتها، وعلى صعيد الفرد في العائلة وفي علاقاته
الإنسانية، والأخطر وجود ذلك حتى على صعيد خطاب الإنسان مع ذاته، حين يراجع الإنسان
ذاته برياء. صارت لغات العالم "حنكة" لإقامة الباطل بدل الحق. إنها لغات تمتهن
الكذب، وهو الخطيئة العظمى في الكتاب المقدس. وعلى أساس الكذب لا يمكن للناس أن
يتفاهموا!
هناك خبرات روحية، وإن
كانت نادرة، يتكرّر فيها حدث العنصرة. يروي الأدب الرهباني والسنكسار عن حياة
العديد من القديسين اللذين خاطبوا آخرين وتفاهموا معهم رغم عدم وجود لغة (نطقيّة)
مشتركة بينهم. القديس بايسيوس الآثوسي هو قديس معاصر، ترد في سيرة حياته العديدُ من
الأحداث التي زاره فيها "أجانب" لا يجيد هو لغتهم ولا يعرفون هم لغته، لكنهم
استشاروه روحياً ووجّههم ونصحهم وخرجوا من عنده بتعزية الروح. إنها أحداث كالعنصرة
تماماً. إن صدق وألم وتوبة هؤلاء "الأجانب" وصدق وقداسة هذا البار، جعلتا الروح
القدس هو الفاعل والواصل بينهما، والروح يدعو ويحقّق اتحاد الكل إلى واحد. إذا كانت
هذه الروايات استثناءات، فإن "التفاهم" مع استخدام اللغات المعروفة بين أطراف
الحوار ما زال محتملاً عندما تكون الأطراف "مملوءة روحاً" وحقّاً.
الإتحاد والوحدة يقومان
على أساس وجود الروح الواحد بين الجميع. الكنيسة هي حياة شركة يجمعها الروح القدس
الواحد. لذلك لا يتكلم الناس في الكنيسة إلا روحياً، أي كما ورد في سفر الأعمال عن
يوم العنصرة، أن الرسل تكلّموا "كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" وليس من عنديّاتهم!
فيا أيها الملك السماوي المعزي روح الحقّ، هلمّ واسكنْ فينا وطهّرْنا وقُدْنا في
حواراتنا إلى معرفة الحقّ الذي يوحّدنا بعد أن فرقتنا أكاذيب الرياء وتعدديّة
الحقوق، أي حين لا تكون حقوقنا في الحق. " أيها الملك السماوي..." هي صلاتنا في كل
بداية، بداية نهارنا ومبدأ قراراتنا وافتتاح جلسات اجتماعاتنا. لن ننطق يا ربّ إلاّ
"كما يعطينا الروح أن ننطق" لنكون في اتحاد وشركة واحدة، آمين.
المطران بولس
يازجي
|