|
خميس الصعود
3
حزيران 2006
خميس
الصعود الذي حل من يومين أصعب الأعياد فهماً على المسيحيين لان الكتاب وضعه في لغة
المدى إذ يقول سفر لوقا "وصعد إلى السماء" ثم تقوى الصعوبة في الدستور النيقاوي
القائل بعد ذكر القيامة "وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب". من الواضح أن هذا
الكلام يقابل في الدستور عينه: "نزل من السماء وتجسد". ومن الأوضح أن كائنا روحيا
لا ينزل ولا يصعد ولا يقاس بالأبعاد فالابن فيما كان في البشرة كان دائما في حضن
الآب فان جسد مريم الذي اتخذه مسكنا له لم يحصره وبقي كلمة الله في العالم كله ولم
يحده العالم. لما قال لي احد كبار الأئمة: "نحن نرفض التجسيم (تلك كانت مفردته) لان
التجسيم حلولية، أجبته: كان يكون حلولية لو ذاب الابن في أحشاء مريم وصار العنصر
الإلهي فيه مادة. انه – حسب تعبيرنا – اتخذ المادة اتخاذا ولم يَصُرْها، لقيها
وداخلها ولم يتحول اليها.
فإذا تكلمت
عن الصعود الإلهي فيعني هذا صعود جسد المسيح إلى الله من بعد القيامة أي صرنا في
تمجيد ناسوتية المسيح ومعادلة الناسوتية واللاهوتية إذ أدركت الأولى الثانية بسبب
من ارتضاء المسيح للموت ونهوضه من بين الأموات. الله لا يرفع إليه جسدا ترابيا. انه
يرفع إليه ذاك الذي "فيه يحل جميع كمال الإلوهية حلولا جسديا (كولوسي 2 : 9).
بالموت
والقيامة تم اتخاذ الله جسد المسيح اتخاذا كليا وما نسميه صعودا انما هو التعبير عن
هذا السر. صورة انتقاله إلى السماء تعبر عن قوله: "انا ذاهب إلى الآب". في الحقيقة
انه لا يذهب ولا يأتي ولا ينزل ولا يصعد ولكنه يضم ألوهته إلى الجسد والجسد إلى
ألوهته ويجب ان يقول هذا كلام بشري لان الإنسان جعل السماء فوق والأرض تحت واتت
لغته من المدى والزمان ويبيت في مفهومه الإله ولا يقع الله تحت المفهوم لان المفهوم
يحده. لقد استعمل الله اللغة واللغة تضعه تحت المعقول.
ويلتزم الله
هذه المحدودية ليحبنا ويحيينا ضمن مقاييسنا لكن ذوي الحس الروحي يسعون إلى تنزيهه
والاتصال به في القلوب.
الديانات
القديمة جعلت الآلهة على رؤوس الجبال والى هذا أشارت أيضا في العهد القديم.
والشرائع الإلهية تعطى من جبال وعليها تتجلى الآلهة. ويسمو الإنسان من الأرض إلى
الله لان الله ساكن العلو وهو في مقام السمو أو السماء. وهذا كله لغة. ولكنك إذا
تخلقت بأخلاق الله أو غدوت مألوها أو متألها حسب المصطلح المسيحي فيتم لك هذا حيث
أنت ولا تضطر إلى أن تذهب إلى مكان آخر وإذا أحسست أن السماء نزلت عليك فما هذا إلا
لغة. لذلك لم يصعد المسيح إلى مكان إذ ليس من مكان يصعد إليه. ولا نزل إلى الجحيم
نزولا لان ليس تحت الأرض من جحيم. وإذا قلنا انه نزل إلى الجحيم فإننا نعني انه دخل
نطاق الموت لكي يحطمه ويزيله ويجعل ما فوق الإنسان وتحته نورا. أنت ساكن النور وليس
فوق النور وتحته وعلى جنباته إلا النور.
لا يهمنا
المكان الذي "صعد" منه المسيح. هناك تصوير أورشليمي أو إطار أورشليمي لا بد منه.
المسيح صعد بمعنى انه اجلس بشريته عن يمين الآب أي جعل بشرية الإنسان إذا تمسحنت
وصارت مثل بشرية يسوع مقترنة بالله وحاصلة على كرامته ذاتها. هذا هو معنى أنها باتت
عن يمينه.
كل من حد
الله بحيز أو حده بصعود أو بنزول إنما لا يقدر ان يصل إلى حقيقته أو طبيعته وتاليا
يبقى هزيلا. أنت لا تدركه باي صورة. تشير إليه باللغة. المرقاة إليه ليس إياه. ليس
لله بيت. هو يسكن عراءه وأنت إليه فقط من عرائك.
وعندما
ارتفع المخلص إلى السماء – إذا شئت تعبيرا – ضم بشريته الممجدة إلى مطلق الله.
المسيح في بشريته في السماء بمعنى انه يسكن المطلق في لاهوته وناسوته معا. أنا لا
أحب كثيرا لفظة مطلق لأنها غير محررة من الإغريق. الكلمة الإنجيلية هي الكمال. ما
حصل في الصعود أن السيد أعلن قيام بشريته في الكمال. ذلك المساوي للكمال الإلهي.
وأما نحن
فمدعوون إلى ضم بشريتنا إلى بشرية المسيح. لهذا دعانا الرسول إلى فكر المسيح. وهذا
الفكر يتخذ بشريتنا اتخاذا وتاليا يشفيها فتصبح على صورة بشريته اي سالكة على طريق
المجد. لذلك قال المسيح: "أنا الطريق". فإذا أحببته تكون عند بدء الطريق وإذا ازداد
حبك تمشي على الطريق على رجاء وصولك إلى منتهاه.
وهذا هو
كمالك أن تريد إكمال الدرب حتى لا يبقى لك درب تحيد به عما رسمه الرب لك من درب.
وفي هذا قال الرسول: "فأما وقد قمتم مع المسيح، فاسعوا إلى الأمور التي في العلى
حيث المسيح قد جلس عن يمين الله" (كولوسي 3 : 1). القضية كلها اذاً أن فكروا كما
يفكر المسيح وهكذا تكونون في العلى. إذ يوضح بولس بعد دعوته هذه أن "ارغبوا في
الأمور التي في العلى لا في الأمور التي على الأرض، لأنكم قد متم وحياتكم محتجبة مع
المسيح في الله. فإذا ظهر المسيح الذي هو حياتكم، تظهرون انتم أيضا عندئذ معه في
المجد".
الكلمة
الأخيرة ليست صعوده بل ظهوره ولا ينحصر ظهوره في ذاته لأنكم بعدما أمتم ما كان فيكم
للبشرة واتحدتم بالمخلص الظافر وسرتم إليه وعلى طريقه لتكونوا منه تكون النتيجة
ظهوره وظهوركم معا. ما كان الصعود إلا استعدادا لظهور المسيح وكنيسته العروس
والإنسانية الممجدة فحيث كان وكنا فهناك العرش والبشرية التي تغني الجالس على العرش
"نشيدا جديدا" وهؤلاء سيملكون إلى الأبد وسيقولون: "للجالس على العرش وللحمل
التسبيح والإكرام والمجد والعزة إلى ابد الدهور" (رؤيا 5 : 13).
ذلك أن
الصعود هو صعودنا في هذا السكر الصاحي إلى البهاء الأخير.
المطران
جورج خضر
نقلاً عن موقع النهار (السبت 3 حزيران 2006).
|